أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

358

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

بالنظر إلى القبيلة » . ونظيره وصف التمييز المفرد بالجمع مراعاة للمعنى قول الشاعر : 2335 - فيها اثنتان وأربعون حلوبة * سودا ، كخافية الغراب الأسحم « 1 » فوصف « حلوبة » وهي مفردة لفظا ب « سودا » ، وهو جمع مراعاة لمعناها ، إذ المراد بها « الجمع » . وقال الفراء : « إنما قال : « اثْنَتَيْ عَشْرَةَ » والسّبط ذكر ، لأن ما بعده « أمم » ، فذهب التأنيث إلى الأمم . ولو كان « اثني عشر » لتذكير السّبط لكان جائزا » . واحتج النحويون على هذا بقول الشاعر : 2336 - وإنّ قريشا هذه عشر أبطن * وأنت بريء من قبائلها العشر « 2 » ذهب بالبطن إلى القبيلة والفصيلة ، لذلك أنث هو ، والبطن ذكر . وقال الزجاج : « المعنى : وقطعناهم اثنتي عشرة فرقة أسباط من زمن ، فرقة كأنه قال : جعلناهم أسباطا ، وفرقناهم أسباطا . « وجوّز » أيضا أن يكون « أَسْباطاً » بدلا من « اثْنَتَيْ عَشْرَةَ » . وتبعه الفارسيّ . في ذلك . وقال بعضهم « تقدير الكلام : وقطعناهم فرقا اثنتي عشرة ، فلا يحتاج حينئذ إلى تمييز » . وقال آخرون : جعل كل واحد من الاثنتي عشرة أسباطا ، كما تقول : لزيد دراهم ، ولفلان دراهم ، فهذه عشرون دراهم يعني أن المعنى على عشرينات من الدراهم ، ولو قلت : لفلان ، ولفلان ، ولفلان عشرون درهما ، بإفراد « درهم » لأدى إلى اشتراك الكل في عشرين واحدة ، والمعنى على خلافه . وقال جماعة منهم البغوي : « في الكلام تقديم وتأخير ، تقديره : وقطعناهم أسباطا أمما اثنتي عشرة . وقوله : « أُمَماً » إما نعت ل « أَسْباطاً » ، وإما بدل منها بعد بدل ، على قولنا : إنّ « أَسْباطاً » بدل من ذلك التمييز المقدر . وجعله الزمخشري بدلا من « اثْنَتَيْ عَشْرَةَ » قال : بمعنى : وقطّعناهم أمما ، لأن كلّ أسباط كانت أمة عظيمة ، وجماعة كثيفة العدد ، وكل واحدة تؤمّ خلاف ما تؤمّه الأخرى ، لا تكاد تأتلف انتهى » . وقد تقدم القول في الأسباط . وقرأ أبان بن تغلب « وَقَطَّعْناهُمُ » بتخفيف الطاء ، والشهيرة أحسن ، لأن المقام للتكثير ، وهذه تحتمله أيضا . وقرأ الأعمش وابن وثاب وطلحة بن سليمان « عَشْرَةَ » بكسر الشين ، وقد روى عنهم فتحها أيضا . ووافقهم على الكسر فقط أبو حيوة وطلحة بن مصرّف ، وقد تقدم تحقيق ذلك في البقرة ، وأن الكسر لغة تميم ، والسكون لغة الحجاز . قوله : أَنِ اضْرِبْ يجوز في « أَنِ » أن تكون المفسّرة للإيحاء ، وأن تكون المصدرية . وقوله : « فَانْبَجَسَتْ » كقوله : « فَانْفَجَرَتْ » إعرابا وتقديرا ومعنى ، وقد تقدم جميع ذلك في البقرة . وقيل : الانبجاس : العرق قال أبو عمرو بن العلاء : « انبجست : عرقت ، وانفجرت : سالت » . ففرق بينهما بما ذكرت . وفي التفسير أن موسى عليه السّلام كان إذا ضرب الحجر ظهر عليه مثل ثدي المرأة ، فيعرق ثم يسيل ، وهما قريبان من الفرق المذكور في « النضح والنضخ » . وقال الراغب : « يقال : بجس الماء وانبجس : انفجر ، لكن الانبجاس أكثر ما يقال فيما يخرج من شيء ضيّق ، والانفجار يستعمل فيه وفيما يخرج من شيء واسع ، ولذلك قال تعالى : فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً ، وفي موضع آخر : فَانْفَجَرَتْ فاستعمل حيث ضاق المخرج اللفظتان » . يعني ففرق بينهما بالعموم والخصوص ، فكل انبجاس انفجار من غير عكس . وقال الهروي : « يقال : انبجس وتبجّس وتفجّر وتفتّق بمعنى واحد . وفي حديث حذيفة : « ما منّا إلّا رجل له أمّة يبجسها الظّفر غير رجلين » يعني عمر وعليّا رضي اللّه عنهما . الأمّة : الشّجّة تبلغ أمّ الرأس ، وهذا مثل ، يعني أن الأمّة منّا قد امتلأن صديدا ، بحيث إنه يقدر على استخراج ما فيها بالظّفر من غير احتياج إلى آلة حديد ، كالمبضع ، فعبر عن ذلك الإنسان بذلك ، وأنه تفاقم إلى أن صار يشبه شجّة ، هذه صفتها » .

--> ( 1 ) تقدم . ( 2 ) تقدم .